2010-01-27
مكانة المرأة في الموروث الثقافي ~ د. إنصاف حمد


تحتل المرأة في الموروث الثقافي مكانة قصوى دائماً بالمعنى الإيجابي والسلبي معاً، ففي الموقف منها تجمع أقصى حالات التجاذب الوجداني، فهي من ناحية أكثر العناصر عرضة للتبخيس في قيمتها على جميع الصعد: الجنس، الجسد، الفكر، الإنتاج، المكانة ومن ناحية أخرى نجدها توضع في مكانة التبجيل المفرطة وإلى حد مثالي بعيد، حيث إعلاء شأن الأمومة وإغداق الصفات الإيجابية عليها كالطيبة والمحبة والحنان والتضحية والإيثار والوفاء، كما نجد في منحى آخر رفع أسطوري للمرأة المشتهاة. هكذا نجد مكانتها تنوس بين أقصى الارتفاع: رمز العطاء البشري (الأمومة، مركز الشرف، الكائن الثمين) وأقصى الدونية: المرأة العورة، رمز العيب والضعف القاصر، الجاهلة، الجسد، الأداة للمتعة والإنجاب. وتصاحب هذه التجاذبات الرئيسة تجاذبات أخرى فرعية معقدة، كالتبعية الموسومة بها حيث لا حرية ولا إرادة ولا كيان، بل ملكية لذكور الأسرة منذ الولادة وحتى الموت (للأب ثم للأخ ثم للزوج فالابن) أهميتها في أن تكون ما أريد لها، لا في ما أرادت هي أن تكون وتحتل في الوقت نفسه مكان المرجعية الأم: حيث الزوج والأبناء أطفال إتكاليون بالنسبة لها. والمشكلة أن هذه الصفات تنسب للمرأة بوصفها طبيعتها، ماهيتها. فهي كذلك منذ خلقت، وستظل كذلك إلى الأبد، إنها كائن ناجز، هذه سماته، وبذلك يتم اقتطاع مرحلة معينة تتسم بها المرأة لبعض الصفات، أو يظن أنها كذلك ويتم تعميمها بأنها هي هي المرأة، لا غير ذلك. لقد قامت دراسات عديدة عن هذه المكانة للمرأة، لكنها في معظمها اتبعت منهجاً وصفيّاً يروي حقائق ويصف وقائع ويحدد مفاهيم، والقليل منها حاول أن يحدد أو يفسر سبب هذه المكانة وعندما تفعل. فإن التحليل يأتي مثالياً: يشدد على الثقافة والتراث والسمات النفسية، بعضها يتحدث عن الاستمرارية التاريخية وبعضها عن التنشئة في العائلة وبعضها عن المعتقدات الدينية والآخر على تغلب أعراف القبيلة والنظام الأبوي وغير ذلك. فهناك من يذهب إلى أن النظام الأموي انتهى بظهور الإسلام الذي رسخ النظام الأبوي وأبقى على امتيازات الرجل (كتعدد الزوجات والطلاق والإرث والشهادة)، والرأي الآخر يرى بأن الدين – الإسلام هنا – هو أضخم ثورة اجتماعية في تاريخ الأوضاع النسائية، فبعد أن كانت كائناً لا حقوق له، تم الاعتراف لها بكامل حقها وآدميتها وسلّحها بالاستقلال الاقتصادي وحررها من سلطة الرجل عليها فيما يتصل بجوهر الحقوق (التعليم- البيع والشراء- العمل- شؤون الدين والدنيا) وذهب إلى تبرير الحالات التي لم تساو فيها بالرجل (كالإرث) بأن الإسلام رفع التكاليف عن المرأة في مختلف مراحل حياتها وحمّلها الرجل، فخمس ليرات بدون مسؤولية أثمن من عشرة بمسؤولية. وبعض الدراسات رأت أن مكانة المرأة في الموروث الثقافي هي مكانة متوسطة بين كلمة الله (القرآن)، وكلمة الإنسان (العادات العائلية والقبلية). بالإضافة إلى رأي آخر يقر بأن الدين ثبَّت الفروقات الطبيعية، فسوَّى بين الرجل والمرأة فيما يمكن التسوية فيه وفاضل بينهما في ما لا يمكن التسوية فيه وحملها مسؤولية تتوافق وتكوينها الطبيعي. وفي مقابل هذه الدراسات التي تتبع منهجاً مثاليّاً في التحديد نجد أخرى تنهج منهجاً اجتماعياً يفسر مكانة المرأة في الموروث الثقافي وما يرافقه من نوسان بين المثلنة والتبخيس. يرى أصحاب هذا المنهج أن هذه النظرة تعود بالأساس إلى موقع المرأة في البنية الاجتماعية، وتقسيم العمل المعتمد في المجتمع ودورها في عمليات الإنتاج، ومكانتها في النظام العام السائد وبنتيجة كل هذه العوامل تصبح المرأة كائناً بغيره لا بذاتها، هويتها تتحدد بغيرها حيث تماثل علاقة الرجل بالمرأة علاقة السيد بالعبد، فصك الملكية هو عقد الزواج الذي ينص أن من واجبها الطاعة، وكما أن العفة كانت تفرض على العبد بالخصي، فإنها تفرض على المرأة عبر منظومة قاسية من العادات والتقاليد تصمت عقلها وجسدها. ومع أن هذا النوع من الدراسات ركز على النظام العام والأسباب الاقتصادية والاجتماعية والعوامل الشخصية، لكنه لم يقم علاقة سببية صحيحة بينها، فهي تنتهي أحياناً من حيث يجب أن تبدأ.




