عدد الأعضاء الحالي # 4983
Sunday, September 5, 2010
2009-05-22
الحب في زمان الإنترنت ~ جابر عصفور
Rate Article 4 Ratings
Download Article as Document File
تصنيف: حب
Tags: انترنت حب
أضف للمفضلة إرسل لصديق أضف تعليق
مشاهدة:927 | المفضلة:1 | تحميل:9 | تعليقات:0

 

 

أعترف أنى نظرت في عنوان هذه المقالة إلى عنوان رواية الكاتب الشهير جارثيا ماركيز "الحب في زمان الكوليرا" وهى رواية بديعة تصوغ علاقة حب نادرة  أنطوى فيها العاشق على حبه سنوات طالت و طالت إلى أن أصبحت عقودا متتابعة و لم يتخل عن حبه لحبيبته التي لم تفارقه صورتها و ظل ينتظرها رغم زواجها الذي دام طويلا و كافأه القدر على انتظاره فمات زوجها بعد أن أصبح كهلا و بعد أن أصبحت هى عجوز غير شمطاء فعين العاشق لا ترى إلا الجمال في وجه الحبيبة التي لا تغير العوام جمال ملامحها التي تبقى كما هى في عيني العاشق و يلتقي العاشقان في نهاية رواية جارثيا ماركيز كهلين جميلين يبحران في سفينة لا يفارقانها بسبب انتشار الكوليرا و يظلان في سفينتهما التي تمضى جيئة و ذهابا في النهر الذي بدا خارجا على قواعد الزمن و مرور الأيام و الأشهر.

 

و كنت اشعر بالحنو على هذين العاشقين في سفينتهما التي انعزلا فيها عن العالم و امضيا وقتهما فيها يستعيدان كل الذكريات البعيدة و يأخذا من الزمن ما سبق أن سرقه منهما فالحب في زمن الكوليرا الذي هو زمن الموت لابد أن يتحدى الموت و أن ينتزع بغرامته الحياة حتى لمن تغرب عنه شمس الحياة و لذلك كان لمفهوم الزمن في الرواية أكثر من بعد و أكثر من دلالة و لا تزال دلالة الامتداد الطويل هى الدلالة التي ترد دائما على خاطري كلما تأملت تسارع الإيقاع في زمن عصر ما بعد الصناعة الذي نعيش فيه.الزمن الذي قلبت ثورة الاتصالات فيه معاني المكان و الزمان و المسافة التي كانت تفصل بين أبناء الكرة الأرضية.و لذلك كنت سعيدا عندما قرأت قصيدة الشاعر نزار قباني عن الحب في زمن الفاكس  و قلت لنفسي بعد أن قرأت هذه القصيدة التي هى رسالة من رسائل الفاكس بين المحبين أنها مرحلة أخرى جديدة أو تعبير جديد عن حساسية جديدة .حساسية تتمثل تسارع إيقاع العصر و تصوغه رمزيا في دائرة الحب حيث لم يعد الحب يخضع للترتيب و الحسبان كما في عالم احمد شوقي [نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء] و لم يعد الحب يخضع لسرعة الإيقاع التي تختزله في قصيدة صلاح عبد الصبور "الحب في هذا الزمان"خصوصا بعد أن دخلنا عصر الفاكس الذي غير معنى الرسائل الغرامية و حل محل الحمام الزاجل أو خطابات التراسل السرية بين المحبين.

 

و لكن سرعان ما أصبح "فاكس "الغرام الذي تحدث عنه نزار قباني قديما فقد جاءت أواخر القرن العشرين بالحب بواسطة الe-mail  أو البريد الالكترونى عبر جهاز الكمبيوتر. و هناك فيلم جميل في السينما الأمريكية عن قصة حب ظلت تتنامى بواسطة مخاطبات البرد الالكتروني على شاشة الكمبيوتر.قصة حب لم تعرف النظرة أو الابتسامة أو حتى الكلام أو اللقاء و إنما عرفت الكتابة المقرؤه على الشاشة الصغيرة لجهاز الكمبيوتر الذي صغر إلى أن أصبح من الممكن احتضانه في السرير بدل خطابات المحبين التقليدية.و مثل كل قصص الحب التي تنتهي نهاية سعيدة.كي يعيش الحبيبان في التبات و الهناء و يخلفا صبيانا و بنات يتفق حبيبا البريد الإلكتروني على اللقاء الجميل الذي هو نهاية سعى العاشقين و مبتدأ حياة الارتباط الابدى.

 

هذا هو الحب في زماننا زمن الانترنت الذي يختزل المسافات بين القارات و لا يعد الزمن التفاتا في علاقته بالمسافة خصوصا بعد أن أصبح من الممكن أن يجلس الشاب في غرفته بمدينة القاهرة أو دبي أو نيويورك أو لندن أو باريس أو غيرها و يدق على أزرار جهازه ما يفتح لو أبواب الانترنت باحثا عن موقع للمحادثة [تشيت شات] أو موقع للحوار و يلتقي بأمثاله أو مثيلاته على امتداد الدنيا العريضة الواسعة و يقيم مع من يشاء حوارا يصل الصورة المكتوبة بالصوت المسموع و يبدأ الحب العصري في التولد بين فتاة في اسبانيا و فتى في لندن و قد تكون واسطة اللقاء صديقة انترنت تقيم في إحدى مدن الولايات المتحدة.

 

و الحق اننى لا احلم و لا أتحدث عن خيال بل أتحدث عن واقع و عن أحداث حقيقية أنا شخصيا باركت قصة حب كان طرفها الأول فتاة مصرية تدرس للدكتوراه في المسرح الاسباني في مدينة مدريد كان من بين صديقاتها على الانترنت صديقة أمريكية تقيم على بعد آلاف الأميال قدمت الفتاة المصرية لصديق مصري عرفته بواسطة الانترنت يقيم في لندن و تم التعارف بواسطة الانترنت فتعرفت المصرية المقيمة في مدريد على المصري المقيم في لندن و لم تكن هناك نظرة أو ابتسامة و إنما حوارات عقلية جادة حول كل شيء .حوارات انتهت إلى تعمق المعرفة إلى بداية الشعور الوليد بالحب.فتأكدت رغبة اللقاء الذي وقع في القاهرة متوجا بالاتفاق المتبادل على الزواج.خصوصا بعد أن أكتشف الطرفان على شاشة الكمبيوتر بالسماعة الملحقة بالجهاز أن الكثير الذي يربطهما يدفعهما إلى الاقتران و تم الاقتران السعيد بعد أن وافق والد الفتى والد الفتاة و أخذت الفتاة تستعد للانتقال إلى من أصبح زوجها في لندن كي تعيش معه إلى أن يعودا إلى القاهرة بعد أن يفرغ من عمله بلندن و لا تزال الفتاة إلى اليوم تغلق غرفتها بالساعات لتخلوا إلى جهاز الكمبيوتر و تواصل حديثها مع حبيبها الذي أصبح زوجها على شاشة الجهاز الذي أسهم في تغيير معاني الزمان و المكان و المسافة بل أسهم في تغيير كيفية الحب و إشكاله.

 

أين ذهب الترتيب و الحسبان الذي كان عصر شوقي ؟حلت محله سرعة الإيقاع التي أنتجت "فاكس الغرام"قياسا على سنوات صبانا التي أصبحت بعيدة.وواكب فاكس الغرام جهاز الموبايل أو المحمول الذي صار واسطة جديدة بين المحبين يتبادلون على شاشته الصغيرة الرسائل التي تحمل الأشواق أو المواعيد التي تحمل وعود اللقاء أو يتبادلون في سماعته الكلمات و الأشواق التي تذكرني بأغنية عبد الحليم حافظ التي تأخذ شكل رسالة حب حفظها أبناء أبناء جيلي قبل أن يأتي زمن الفاكس أو المحمول و لا اعرف هل من حسن أو من سوء حظنا إننا أحببنا على طريقة عبد الحليم حافظ.و تزوجنا على طريقته أيضا.فالمهم إننا سعدنا بحبنا و زواجنا.حتى لو كنا لا نخفى دهشتنا من جيل هذا الزمان و من غراميات المحمول أو فاكس الغرام الذي سرعان إلى انترنت الهوى عابر القارات و الأقطار و المحيطات مقرب البعيد نافى حواجز اللغات و الجنسيات في علاقات الحب العصري التي لم نعرف مثلها في زماننا و عرفها أولادنا في زمانهم الذي سبقونا إليه و تفوقوا علينا فيه.زمن الإنترنت.  

Go Up
Go Up